ا.د. خميس محمد يكتب ل«زهرة العرب»..القوة الناعمة المصرية بين الريادة والتحدي..”مصر باقية”

ا.د. خميس محمد يكتب ل«زهرة العرب»..القوة الناعمة المصرية بين الريادة والتحدي..”مصر باقية”

سعت شعوب العالم على مدار تاريخ البشرية لتحقيق الريادة بما يضمن تحقق أهدافها، وقد مثلت القوة العسكرية عامل قوة الدول والخيار الأول لها لتحقيق أهدافها السياسة الخارجية، وارتبط هذا التبني للقوة العسكرية بمجموعة من النتائج غير المقبولة في كل الأحوال حتى للدول المنتصرة والتي لم تكن تسعي المجتمعات اليها ، مما دفع الدول الي توجيه اهتمامها للبحث عن بدائل تحقق لها أهدافها السياسية الخارجية وتضمن لها الريادة في اقليمها وعلى المستوي الدولي وفي نفس الوقت تجنب الإنسانية ما يصيبها جراء استخدام القوة العسكرية في حل مشاكلها.
لذا فقد انشغل الفكر الاستراتيجي في إدارة الدول منذ ثمانينات القرن الماضي بالبحث عن أساليب وسبل جديدة ووسائل وأدوات تضمن للدول الحفاظ علي قوتها ومكانتها التي اكتسبتها عبر مراحل التاريخ بعيدا عن القوة العسكرية، وتحقق لها أهدافها الخارجية التي تسعي اليها ، وفي نفس الوقت تكون أكثر جاذبية وقبول؛ فكان سعي الدول نحو البحث عن مصادر قوة بديلة بصياغات مختلفة عن سياقها التقليدي شريطة أن تحقق هذه القوي أكبر قدر ممكن من المنافع، وبأقل قدر من الخسائر، وبما يضمن تحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة ، وذلك بتوظيف نمط جديد من القوة، وهو القوة الناعمة بأدوات ووسائل غير عسكرية والتي تحقق نوعية من النتائج المترتبة عليها ربما تفوق في أهميتها النتائج المترتبة على استخدام القوة العسكرية، والتي سميت بالقوة الصلبة.
وتعتمد القوة الناعمة في صناعتها على أطر غير مادية مثل الثقافة والفن والرياضة بهدف تحقيق النواتج التي تنشدها الدول لتحقيق أهدفها طواعية دون استخدام القوي،
وتأتي هذه القوة عادة من خلال جاذبية ثقافة بلد ما بما تحمله من قيم وتوجهات ومعتقدات وممارسات ومثل سياسية واجتماعية وما تمارسه من سياسات تحقق أهداف يسعي الانسان اليها.
وتعد مصر على مر تاريخها القديم والحديث من بين الدول التي نجحت في تصدر المشهد وتحقيق الريادة، اعتماداً على توظيف قوتها الناعمة ما ساعد في نجاح سياستها الخارجية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية وضمان استقرار المجتمع داخليا الأمر الذي ساعد علي زيادة قوة الدولة واستقرارها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
والمتابع للمشهد علي المستوي الإقليمي والدولي في السنوات الأخيرة يلاحظ بشكل جلي سعي مصر الدائم وحرصها الشديد علي استمرار ريادتها التي حققتها عبر مراحل التاريخ الإنساني، ريادة سياسية واقتصادية وثقافية مازال العالم يعيش حالة من الانبهار محاولا فهم أسرارها ؛ ولعل ما قامت به مصر من إعادة تركيز الضوء علي تاريخها من خلال احتفالية نقل المومياوات وما صاحبه من إبهار ، ثم احتفالية افتتاح طريق الكباش برعاية من رمز الدولة وقائدها ، يمثل سبيلا من سبل توظيف قوة مصر الناعمة للحفاظ علي مكانتها الطبيعية.
الا أنه في خلفية المشهد تظهر محاولات خبيثة الهدف لطمس الدور المصري والتغطية علي ما حققته مصر للإنسانية ، في محاولات لأبعاد مصر من ساحتها وزعزعة دورها القيادي للمنطقة ودورها الحيوي للعالم ، بهدف تصدر المشهد من خلال توظيف قوي خارجية لموارد اقتصادية ، وتوظيف وسائل تكنولوجية وإعلامية لجذب انتباه العالم وخطف الريادة من مصر؛ والامثلة علي ذلك كثير في مجالات الفن والرياضة والثقافة ففي المجال الرياضي حاول البعض العبث بتاريخ مصر الرياضي من خلال محاولة القضاء على ريادة أندية مصرية لها تاريخها بما لها من قوة جذب ومدى تأثيرها في الشعوب ، وفي مجال الفنون كانت محاولة ضرب الفن المصري -أحد مقومات القومة الناعمة المصرية- من خلال دعم أشباه الفنانين من العابثين بالذوق العام ومحاولة إعادتهم لتصدر المشهد واحتلال الصدارة من جديد ، وكذا استمرت محاولات هذه القوي لضرب الرموز المصرية الناجحة من علماء ورياضيين وتشويه صورتهم واستبعادهم من المشهد لإضعاف الجاذبية المصرية القادرة علي حفظ مكانة مصر ودورها، كل ذلك وفق منهجيه ثابتة هدفها الأول محاولة طمس ريادة مصر بقواها الناعمة التي تعتمد علي ما تقدمه من إبداعات تعطي لمصر ريادتها المستحقة.
الا أنه ورغم كل هذه المحاولات فإن القوة الناعمة لمصر باقية تعمل علي حفظ مكانة مصر وريادتها كنموذج يحتذي به ما بقيت الإنسانية ؛ ستبقي مرتكزة علي مقومات تضمنها قيادة واعية وتصونها حكومة وطنية مخلصة، ويحفظها شعب مثقف واع من خلال ما يمتلكه من رأس المال البشرى المبدع القادر على الابتكار وتقديم ثقافة فريدة تقدم للإنسانية نماذج خلاقة قادرة علي انتاج الفكر، وتقديم الرؤى ، وتطوير الفن ؛ من خلال ما تمتلكه مصر وتؤكده المؤشرات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي تعطي لمصر قدرتها في الحفاظ علي مكانتها وريادتها الإقليمية والدولية الأمر الذي يفرض علينا ضرورة زيادة حجم الاستثمارات في المجالات المرتبطة بمجالات القوى الناعمة عبر تقديم الإنتاج المتميز والحفاظ علي حقوق الملكية الفكرية ، و إنتاج وتسجيل العلامات التجارية ، و دعم مجالات الابداع من تصميمات هندسية وصناعات متطورة وتكنولوجيا متقدمة ، وتبني سياسات تؤكد علي أهمية التميز النسبي المصري بما يحافظ علي الجاذبية المصرية واستمرار تأثير مصر في محيطها العربي والافريقي وعلي المستوي العالمي.
كاتب المقال [ عميد كلية التربيه بجامعه مدينة السادات]

Facebook Comments
admin

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Contact Us