ا.د. محمود فوزى يكتب ل:[زهرة العرب] هل يمكن -حقا- أن تتآكل التربية ؟ !

ا.د. محمود فوزى يكتب ل:[زهرة العرب] هل يمكن -حقا- أن تتآكل التربية ؟ !

نعتاد نحن التربويين وغيرهم ، على مسلمة أن التربية هي حاضنة المجتمع ، بما لها من تماسك جداري قوي يعمل كسياج حقيقي ، يقي هذا المجتمع من الضلالات وما يمكن أن تتسبب فيه عوامل الاختراق والاستهداف والتشتت ..، والتربية في ذلك لها أدواتها وأسلحتها ذات الأثر البالغ في تحقيق غاياتها ، ونستطيع أن ندرك بحق ما للمجتمع من وجود أو فعالية اذا تفحصنا نظامه التربوي ، وفلسفته الحاكمة والموجهة لأنشطته المختلفة وبرامجه ، ومدى انعكاس ذلك على انجازاته ومخرجاته …

حقا إن التربية هي منعة المجتمع وحصنه وملاذه من كل ما يمكن أن يتهدد ذلك المجتمع أو يعمل على تعطيل التميز والتفرد فيه ، ولنا شواهد كثيرةعلى ذلك من صلب ما نمارسه أو نتعرض اليه من نماذج عالمية وأمثلة حققت المعادلة الصعبة بين توفيق الارادة والواقع الاجتماعي الذي يشملها ، لمصلحة المجتمع وتحقيق أمنه واستمراريته ..

ولكن اذا نظرنا الى عناصر كثيرة في صلب النظام التربوي ، والى المضامين التربوية التي يمكن أن تكون محركا ايجابيا لارادة المجتمع لتفعيل فلسفته ، وأيضا للنجاح في فعالياته وأنشطته المختلفة ، سنجد وبشكل ملحوظ تراجعا كبيرا للوظائف المنوطة بها ، أو لتقل تآكلا يزداد يوما بعد يوم في قوة شديدة ، تعكس مقدار الضعف والمرض التربوي ، الذي يذيب عنفوان التربية ويحطم آلياتها واستراتيجياتها التي يجب أن تكون في المناط المعلوم والمقدر كذلك ..،

فنظرة الى منظومة القيم – على سبيل المثال – سنجد تراجعا كبيرا فيها أو تآكلا كبيرا في جوانبها ، فالحق لم يعد حقا ، والايجابية صارت ضدا لروادها ، والانصاف صار عيبا ، لأنه يجانب صاحب المصلحة ولو على حساب الجسد التربوي العليل ..، ولننظر الى المعرفة ،سنجد أنها صارت أشبه بمسكرات تغيبك عن الواقع الحق ، لكي تعيش وهما أو ضلالا كبيرا تحت مسمى الواقع الجديد وثقافته الشبابية الحرة والتي تبتعد كثيرا عن الحق ومقاصد العلم واليقين الحقيقي ..،
وانظر الى الأهداف التربوية ،لم تعد تربوية ، بل صارت نفعية أو استهلاكية في الفكر والرؤى والاجراءات ..وانظر الى الأدوار التي تلاشت لمن يربي أسرة في وادي الانشغال ، ومدارس وجامعات في وادي الانهيار ، وتواصل تعليمي أشبه بالفوضى والخبال …، وانظر الى وانظر الى ، ثم انظر الى …!!!

ومع كل هذا فلا أعتقد أن التربية يمكن أن تتآكل أو تذوب ، فمازالت العقول والضمائر والارادة تعبر عن جوهر ، آلا وهو الانسان ، الذي مازال موجودا ، وهو مقصد وملاذ التربية الحق لا محالة ، في كل زمان ومكان ، وفي تعاقب الدهور والأحوال ، والى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..

وللحديث بقية باذن الله ..

أ.د. محمود فوزي أحمد بدوي
أستاذ أصول التربية ووكيل كلية التربية لخدمة المجتمع وتنمية البيئة..جامعة المنوفية…

Facebook Comments
admin

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Contact Us