بأقلام العلماء….. أ.د/ راندا مصطفي الديب تكتب ل :[زهرة العرب]..أسس تكوين شخصية الطفل

بأقلام العلماء….. أ.د/ راندا مصطفي الديب تكتب ل :[زهرة العرب]..أسس تكوين شخصية الطفل

إليك أيها المربي أهم أسس تكوين الشخصية عند الطفل، وعليك اتباعها لتكوين شخصية ايجايبة لطفلك، وهذه الأسس سوف يتم عرضها بطريقة بسيطة وسهلة ومدعمة ببعض الأمثلة، وهي كالتالي:
1. القدوة : ” باعتبارها الأساس الأول من أسس التربية ” فإذا أردنا أن ننشئ طفلًا نشأة سليمة وجب أن تسلم تصرفاتنا من كل شائبة لا نريدها له وإلا اضطربت مقاييس القول والفعل عند الطفل حين يحاكي ما يراه ….ويقول ما يسمعه ….فيخالف قوله فعله ….فإذا هو نموذج من المنافق طيب القول خبيث الفعل “. ولنا في رسول الله قدوة حسنة ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( الأحزاب :21) ؛ فإن الله لم يجعل منه لسانًا طيبًا فحسب بل جعله خُلقًا يمشي بين الناس : ( وإنك لعلي خُلق عظيم ) ” القلم : 4″ . وليس أصدق في تصوير ذلك من عائشة رضي الله عنها إذ سئلت عن خلق سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم فقالت : ” كان خُلقه القرآن ” .
ونحن نعلم يقينا أن فينا وفي كثير ممن حولنا خصال نحب أن لا يقلدها الأطفال ، لأن الطفل أسرع مقلد لما يريه من أقوال وأفعال وسلوكيات وحركات، يساعده في ذلك دقة انتباه وتقديره للكبير لمجرد كونه كبيرًا لا يخطأ أبدًا . ولذلك نأمل في عدم رؤية أطفالنا النميمة والرياء والكذب والخداع والوقيعة والكلام السيئ والغضب السريع والعدوانية وقلة الذوق منا كآباء وأمهات ومعلمات وممن يقدرونهم من الكبار المحيطين بهم نلجأ للعقاب ويقصد به الإصلاح حين تستنفد غيره من وسائل الإصلاح ، ويحاط استعماله – كما يحاط استعمال كل ممنوع أباحته الضرورة – بأقصى ما يمكن من الحذر في استعماله والتأني والحكمة في دراسة الظروف التي تبيحه ، والتدرج فيه .
وجدير بالذكر أن نؤكد علي أن الأطفال دائما يميلون إلي تقليد الآخرين وفي مقدمتهم الآباء كنماذج ، وتتم عملية التربية بسهولة وفي أحسن صورة إذا أحيط الأطفال ببيئة مملوءة بمعايير وقيم مجتمعهم . أما إذا وجدوا في بيئة آباء منحرفين أو حتي متقلبين عاطفيًا فالاحتمال الأكبر أن ينموا بسلوك وقيم منحرفة . ومن أشهر أنواع السلوك القابلة للتقليد والمحاكاة القدرة علي ضبط النفس ، والسلوكيات الأخلاقية ، والسلوكيات المناسبة لكل نوع؛ فالبنت تميل لتقليد النموذج الذي يتصف بالحنان والعطف ، ويميل الولد إلي تقليد النموذج الذي يتصف بالسيطرة والهيمنة والقوة .
ويجب علي الوالدين امتلاك أساليب تعمل علي توفير القدوة من خلال الحوار والألعاب الجماعية والمسرح التربوي وبرامج المحاكاة والرحلات ……
2. المشاركة : إن مشاركة الكبار سواء الوالدين أو المربين لأطفالهم في ألعابهم تشعر الأطفال بذاتهم وأنهم أصبحوا شركاء لآبائهم وأمهاتهم ومربيهم في الحياة ، وتقوي الروابط والانجذاب بين الطفل وبينهم، كما أنهم يتمثلون حياة الكبار في أفكارهم وتصرفاتهم .” والمشاركة منا للطفل في أعماله ، ومشاركته هو لنا في أعمالنا ، تعطيه القدوة الحسنة للعمل، وتدربه عليه حتى إذا ما استقل كان لديه من محصول التجارب ما يسمح له بالسير السليم الموفق “؛ فالتفاهم علي الصواب والخطأ ينيران للطفل الطريق فيسير علي بينة وعلم بالوسيلة والغاية، كما يعطي الطفل فرصة كاملة للصراحة في التساؤل، وفي إظهار رأيه في الأمور، وفي الجهر بأخطائه ومبرراتها، وهذا يمكننا من علاجها في وضوح.
كما يجب علينا أن نحذر من كثرة إصدار الأوامر؛ فكلما كثرت الأوامر كثرت الرغبة في مخالفتها، إن كل شر يتجنبه الطفل طاعة لأمر دون اقناع، سرعان ما يعمل الطفل علي التخلص منه في الخفاء ولهذا فالإقناع ” يرسخ عوامل الخير في نفس الطفل فيصدر إليها عن رغبة ذاتية لا عن مجرد إطاعة أمر دون أن يفهم له سببًا؛ فيسعى إلي التخلص منه ما يجد لذلك الفرصة السانحة “.
3. حسن التوجيه في التنبيه إلي الخطأ والإرشاد إلي الصواب ووسائله ” التفاهم والإقناع والمشاركة ” وقوام حسن التوجيه هو ” الرفق الخالص من كل شائبة من شوائب القسوة في المعاملة أو القول أو حتى في مجرد الإعراض والنظرة ” والاعتراض علي القسوة والإيلام ليس اعتراضًا عاطفيًا فحسب ….بل هو اعتراض معلل بمصلحة الطفل أولًا ، ثم مصلحة الأسرة كلها بعد ذلك ” إن العصا وجارح القول لا يخلقان إنسانًا صالحًا أبدًا …قد يخلقاً ( قردًا مدربًا ) تبدو علي سكناته وحركاته وأفعاله مظاهر الأدب …..ولكننا نريد أولادنا بشرًا لا قرودًا . وتبدو مصلحة المجتمع في أننا إذا خلقنا – بسوء تربية أطفالنا – فإننا كذلك نجعله مجتمع من العبيد ! تطيع إذا لـوَّح بالعصا ملوح، وتخاف إذا زجرها بصوته- كما يزجر العبيد – زاجر ولا تدفع ظلمًا خشية ما قد يقع عليها بدفعه من عدوان …وحين نربي الأطفال علي الإقناع والمشاركة والتفاهم؛ فإننا نربي مجتمع من الأحرار يقول ويفعل ما يعتقد أنه الحق، وبهذا يصبح المجتمع يقدر الحرية ويمارسها ويحرص عليها في شئونه العامة والخاصة سواء بسواء.
4. الرسول نهي عن القسوة حتى علي الحيوان عند ذبحه، وكان من تراثه الذي ورثه المسلمون : ” ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من ان يخطئ في العقوبة ” نلجأ للعقاب ويقصد به الإصلاح حين تستنفد غيره من وسائل الإصلاح، ويحاط استعماله – كما يحاط استعمال كل ممنوع أباحته الضرورة – بأقصى ما يمكن من الحذر في استعماله والأناة في درس الظروف التي تبيحه، والتدرج فيه . ولم يخطئ شاعر العربية الأكبر المتنبي حين قال : ” السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب “؛ فكان يقصد في مجال الحرب والضرب يكون السيف أصدق أنباء من كتب الكهان والمنجمين ….لكن في مجال التربية حين يكون الصوت المرتفع والألفاظ المهينة هما سلاح الأب والأم ؛ فهنا علينا أن ننتبه كثيرًا ، ونرفع أصواتنا بالتنبيه، لتعلو علي الصوت المرتفع في بيوتنا …” رفع الصوت علي الأبناء – خاصة لمن استلذ هذه الوسيلة – وظن أنها وسيلة سهلة للتربية أو بمعني أدق وسيلة سهلة لزجر الأبناء عن فعل كل ما لا يرغبه الوالدان، أقوال لهؤلاء : أصواتكم أشد ضررًا علي أبنائكم من ضربكم ……..” فاعتياد الأبناء علي الشتم والصراخ، يولد فيهم حالة من حالات اللامبالاة ويقتل فيهم كل ملكة للإبداع .
5. وسائل تدريب الطفل علي احتمال واقع الحياة ، حلوها كان أو مرًا كان ، بإشراكه مع مربيه في فهم حقائقها، وإدراك حوادثها علي نحو مبسط يجعله أكثر استعدادًا بقبول تقلبات وظروف الزمن من متاعب وحرمان وآلام؛ فالحياة ليست نعيمًا علي طول. ويتم هذا عن طريق ملاحظات عابرة ولمحات بسيطة وتعليقات وقصص تحمل هذا المعني وهذه النظرة للحياة … وبذلك يعتاد الطفل هذا الفهم فمثلًا : ما المانع من حرمان الطفل أحيانًا من بعض رغباته في شراء لعبة علي أن يعلل له الحرمان بسبب قلة المال؛ فالمال يكثر ويقل في يد الأسرة تبعًا للظروف، فإن تعرض الطفل لبعض صور الحرمان القليلة أمر يجعله ينظر للحياة في المستقبل نظرة أكثر واقعية؛ فالغيب لا يعلمه إلا الله ، وكما قال سلفنا لأبنائهم والدنيا مقبلة عليهم ” اخشوشنوا، فإن النعمة لا تدوم “. و تدريب الطفل علي التحمل يجعله يتشرب ويتعلم صفة الصبر، والصبر كخاصية نفسية إيجابية تجعله غير مندفع وتؤهله لتحمل المسئولية، ويمكنه اكتساب هذه العادة من خلال التدريب التدريجي علي الصوم حيث الزيادة التدريجي في عدد ساعات الامتناع عن الطعام؛ فإذا بلغ التاسعة أو العاشرة من العمر أمكنه الصيام ليوم كامل، كما يمكن تدريبه علي الصبر من خلال الألعاب الرياضية، وممارسة الرياضة حيث التدرج في الأحمال الرياضية من خلال زيادة عدد مرات تأدية التمارين أو السرعة أو من خلال زيادة زمن العدو ……
6. احترام شخصية الطفل يجب علينا أن نحترم شخصية الطفل، وأن نشعر نحن ونشعره معنا أنه يخطو كل يوم خطوة جديدة في الحياة …..فإن أخطأ الفهم أو الرأي أو الفعل أو السلوك فلا يحق لنا أن نسخر منه ، وإن أصاب فعلينا أن نشعره بتقديرنا لصوابه دون إسراف .” إن كل طفل بطبيعته يحب أن يعامل معاملة الكبار في كثير من الأمور، لأن ذات الكبر عنده غاية، ولا مانع من ذلك ؛ فمثل هذه المعاملة تعجل به نحو النمو النفسي ما دام ذلك لا يخالف القواعد الصحيحة التي يجب أن يسير عليها ” . وإذا كان الإنسان يحب المدح في جميع مراحل عمره ويحتاج إليه؛ فالأطفال يتأثرون إيجابيًا وبدرجة كبيرة بالمدح سواء المنطوق أو المكتوب، وبهذا يتعلم سلوكيات تقدير الآخرين، ومن ثم يحظي بالقبول والرضا الاجتماعي.
كما يجب علي الوالدين إعطاء الطفل حق الاختيار، ولا يجب عليهم رفض السلوك الغاضب أو الاعتراضي أو العدواني اذا سمحوا للطفل بالاختيار؛ فمثلًا إذا أردنا الذهاب لزيارة الأقارب فلن نسأل الطفل إذا كان سيحضر معنا أو ليجلس بمفرده في المنزل، إنما نسأل إذا كان يريد أن يشتري بعض الحلوي أو بعض المشروبات لأقاربنا، إذا أردنا أن يلبس قميصًا فنقول له هل تريد ارتداء هذا القميص أو ذاك، فلن يكون هناك اعتراض لأن يختار وبنفس الطريقة إذا حان موعد غلق التليفزيون أو لعبة علي الموبايل، يجب أن نسأله إذا كان يريد أن يغلق هو بنفسه التليفزيون أو أن أغلقه أنا، فإن اختار أن يغلقه بنفسه فأمامه ثلاث دقائق من الآن . وهذا ليس ضعف منا أو تهاون بل أن الأطفال يحبون أن يتحكموا في فعل الأشياء بأنفسهم، ولا يجب أن نجعل هذا سبب لمشكلة .
7. توفير مناخ الإخلاص يعلم الأطفال العدالة : عندما يجد الوالدين أنفسهم متحيزين إلي أحد الأطفال يجب أن يتأكدوا من عدالتهم في التعامل وتقسيم الوقت بينهم جميعًا . وفي معظم الأسر نجد أن هناك طفلًا يعتبر خاصًا، لكن كل الأطفال لدي الوالدين يعتبر لكل خصوصية بطرق مختلفة، إن المهم ليس أن يفضلوا أحدهم علي الآخر لكن المهم أن يحبوا الجميع .
و مما لا شك فيه أن أطفالنا سيتعرضون إلي مواقف حياتية تتصف بعدم العدالة؛ ومنها علي سبيل المثال: التفرقة في المعاملة بين الأبناء تجعله يشعر بعدم العدالة؛ فلهذا يجب إعطاء الطفل الفرصة لتعبير عن مشاعره بدون خوف لأن هذا يساعده علي تدعيم الدفاع عن حقه أو عن نفسه ، سوف يجعله يومًا ما يقف ضد مواقف الظلم وعدم العدالة .
8. الإجابة عن التساؤلات التي قد يثيرها الطفل، وعدم الاستهانة بخواطره وتساؤلاته مهما كانت ، والإجابة الصحيحة الواعية عن استفساراته بصدر رحب وبما يتناسب مع سنه ومستوي إدراكه ، ولذلك أثر كبير في إكساب الطفل القيم والأخلاق الحميدة، وتغيير سلوكه نحو الأحسن؛ فالطفل بطبيعته كثير السؤال لتفتح ذهنه للحياة الواسعة، ورغبته في استيعاب أكبر قسط ممكن من المعرفة عن كل ما يري ويسمع، ولا يجوز ولا يحق لنا أن نأمره بالكف عن السؤال أو نمنعه أن يسأل، وإذا فعلنا هذا فإننا نغلق النافذة التي يتنفس ويري منها، كما يجب علينا أن لا نشغل عن أسئلته مهما تفهت في نظرنا، كما يجب علينا أن نجيب الطفل علي كل سؤال، مع مراعاة الهدوء في جميع الأحوال، وسن الطفل ومداركه، نجيب إجابة سهلة وبسيطة يفهمها الطفل دون الدخول في تفاصيل لم يسأل عنها.
9. الصدق هو الأساس الذي يمكننا أن نعتمد عليه في التربية لنبني شخصيات رائعة للمستقبل، والكذب مرفوض تمامًا مع الأطفال؛ فالرسول حدد معني الكذب والصدق مع الأبناء صراحة في هذا الحديث : ( من قال لصبي : تعال هاك ، ثم لم يعطه ، فهي كذبة )؛ فلا يجوز للوالدين أن يلاعبا أبناءهما الصغار؛ فيخدعانهما أو يكذبان عليهم، فيعدانهم بشئ ولا ينفذان . ويقول سيدنا عبد الله بن عامر وهو من صحابي شاب ممن شهد النبي صلي الله عليه وسلم صغيرًا: ” دعتني أمي يومًا ورسول الله صلي الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت : ها تعال أعطيك؛ فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم : وما أردت أن تعطيه ؟ قالت : اعطيه تمرًا ؛ فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم : أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة”.
كاتبة المقال : أستاذ تخصص أصول تربية الطفل بكلية التربية جامعة طنطا

Facebook Comments
admin

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Contact Us