د. محمود فوزى يكتب ل«زهرة العرب» :باحث الماجستير والدكتوراه بين الإعداد والاستعداد

د. محمود فوزى يكتب ل«زهرة العرب» :باحث الماجستير والدكتوراه بين الإعداد والاستعداد

كثر ما نلحظه عند الاحتكاك بطلاب البحث في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، بأن هؤلاء الطلاب أو الكثرة منهم يعانون من مشكلات كثيرة، تتعلق في أحد جوانبها بأنهم يفتقرون بشكل واضح وكبير للمهارات البحثية المتطلبة لاستكمال أبحاثهم أو حتى الشروع السليم فيها منذ البداية!
وفي جانب آخر نجد منهم من يعاني بأنه لا يعرف بالضبط ما طبيعة البحث العلمي في المطلق؟ ، وما الأهداف الي يرمي الى تحقيقها ؟ ، وهل الموضوع البحثي الذي يعنى به له صلة بهذا الفهم والادراك أم لا ؟! ، وفي جانب ثالث ومرعب وخطير ، نجد البعض من هؤلاء الطلاب لا يتذكرون عناوين أبحاثهم ولا دقيقة من دقائق ما يعنون به في سياق البحث ، وكذلك هم لا يدرون هل هناك ضرورة في أن يكون بحثهم جيدا أم لا ؟ ، المهم من وجهة نظرهم تسطير السطور والكتابة المطردة في الموضوع حتى ينتهي وخلاص!
ولست أدري ما معنى كلمة وخلاص هذه، الا أنني اجتهدت فوجدت أنها تعني الانتهاء من الرسالة على أي نحو من الأنحاء، دون تمحيص أو تدقيق أو اضافة علمية أو حتى التثبت من اتباع الطريقة العلمية السليمة في الوصول الى النتائج وعرضها وتفسيرها، وتقديم تصور أو رؤية و إطار أو اجراءات أو آليات منهجية سليمة يمكن الاعتماد عليها مباشرة في تقديم حلول لمشكلة البحث أو الاضافة المقرونة بالتوجه البحثي أو القضية المطروحة أصلا!
شيء محير، تساءلت كثيرا في مصير هؤلاء الطلاب، بل تساءلت أكثر حول مصير البحث العلمي وجدوى الرسائل الممنوحة والتي يعاني أصحابها من فقد الاحساس بالبحث، أو لنقل فقد الهوية البحثية المقرونة به، وما يمكن أن يكون انعكاسا لذلك في هذا الاطار ..
هل يكمن السبب في أن الباحث لا يملك استعدادا بحثيا حقيقيا يمكنه من التعلم والمدارسة ومداومة المدارسة، وبالتالي تقديم منتج بحثي له قيمة حقيقية في عالم البحث؟، أم أن هناك عوامل تتعلق بالإعداد البحثي الذي تتحمل مسؤوليته الكليات والأقسام الأكاديمية وطرائق التدريس المتعلقة بمناهج البحث من خلال مقررات قاعة البحث أو غيره في سبيل التمكين البحثي للطلاب؟!
أعتقد أن الأمر جد خطير وهو يأخذ أبعادا كثيرة ومعقدة، بعضها يتعلق بالجوانب الشخصية للباحث ونمط تشكله البحثي والوفاء بمتطلباته، وبعضها يتعلق بالجانب المؤسسي وتدريس مناهج البحث وأسلوب التفكير العلمي وإجراء البحوث من خلال مقررات قاعة البحث أو حتى جلسات السيمينار العلمي بالأقسام الأكاديمية.
وهناك أساب أخرى تعود للظروف والأحوال التي يتواجد فيها اللقاء البحثي أو العلاقة البحثية، فبعض الظروف المهنية أو العملية أو الاجتماعية أو الاقتصادية والانسانية العاطفية، تلعب دورا خطيرا في التأثير على مجريات الانتهاء من الرسائل العلمية، ولو بشكل ينهي العبث المقرون بالفترات الزمنية الممتدة دون طائل منها، اللهم الا دفع المصروفات البحثية كل عام، دون أمل حقيقي في تجويد المنتج البحثي أو الاضافة اليه، سبحان الله هو عبث أو سلسلة عبث لا تنتهي …
ان الأمر بالغ الخطورة ويحتاج منا جميعا الى مراجعة حقيقية لمدى احتياجنا لتجويد البحث العلمي في المطلق، ومدى استعدادنا بأن نزكي في الباحثين استعدادا حقيقيا يمكنهم من التواصل البحثي الذي يضمن لهم استمرارية بحثية أصيلة تمكنهم من العلم والمعرفة البحثية واكتساب المهارات المتطلبة لتجويد أبحاثهم ..
ثم اننا يجب أن نلتفت أكثر وبشكل ملح وكبير الى قضية اعداد باحثينا من خلال تدريبهم المستمر على مهارات البحث العلمي والتأكد التام من المامهم الكافي بالمعارف والمهارات اللازمة لإتمام الأبحاث في اطار خطة علمية واضحة وتوصيف دقيق للمقررات المتعلقة بقاعات البحث بحيث تعتمد على البناء التراكمي لهذ المقررات حتى لا يحدث تكرار في تدريس الموضوعات واضاعة الوقت فيها ، وكذلك لابد من التدريب المستمر للباحثين من خلال ما يجب تكليفهم به من نقد وتقويم الرسائل العلمية الممنوحة وكذلك في بناء وتشكيل عقلية بحثية قادرة على النقد والتحليل ومن ثم اجراء بحث علمي جيد ومتوازن ..
نحتاج أيضا الى ضمانة أخرى من نوع جديد تتعلق باختيار طلاب البحث في مرحلتي الماجستير والدكتوراه بأن نعقد مقابلات شخصية معهم وفق أسس ومعايير واضحة، تستهدف التعرف على مدى استعدادهم الخاص ومدى المامهم بالمعارف البحثية اللازمة وفقا لنمط اعدادهم، وكذلك مدى استيعابهم لقضية البحث العلمي الأصيل والاطلاع على اتجاهات تجويده وكذلك المصادر الأصيلة في المجال البحثي والتخصص الذي سينتمون اليه …،
وهذا ما يساعد على توافر طالب بحث علمي، قادر على استكمال المسيرة البحثية بنجاح وفاعلية، وحتى نضمن أداءا بحثيا متميزا لرسائل الماجستير والدكتوراه، وحتى يكون أصحابها بالفعل مستحقون منح هذه الدرجات التي ينبغي أن تكون اضافة تعليمية تعلمية بحثية ابتكارية متميزة، وحتى يمكن أن نقرر وبإخلاص بأن إعداد باحثينا، قد راعى أبعاد تعلمهم من خلال الاطمئنان لاستعدادهم، واليقين بأن اعدادهم كان مستوفيا للشروط الضرورية للإعداد، في سياق التطلع للتجويد وارتقاء المجتمع البحثي بكامله…
وللحديث بقية وهو مفتوح يقبل النقد والتعديل والاضافة…
وفقنا الله لخير العمل.
أ.د. محمود فوزي أحمد بدوي
أستاذ أصول التربية
ووكيل كلية التربية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة
– جامعة المنوفية

Facebook Comments
admin

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Contact Us